ابن عساكر

84

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

وكان المتلمس قال في عمرو أيضا شعرا كان يتوعده فيه ، فبلغ ذلك عمرا ، فهم عمرو بقتل المتلمس وطرفة ، ثم أشفق من ذلك وأراد قتلهما بيد غيره ، وكان على طرفة أحنق ، فأراد قتله فعلم أنه إن فعل هجاه المتلمس ، فكتب لهما كتابين إلى البحرين « 1 » وقال لهما : إني قد كتبت لكما بصلة فخرجا من عنده والكتابان في يديهما ، فمرا بشيخ جالس على ظهر الطريق متكشفا لقضاء الحاجة ، وهو مع ذلك يأكل ويتفلى « 2 » . فقال أحدهما لصاحبه : هل رأيت أعجب من هذا الشيخ ! فسمع الشيخ مقالته فقال : ما ترى من عجبي ؟ أخرج خبيثا وأدخل طيبا وأقتل عدوا ، وإن أعجب « 3 » مني لمن يحمل حتفه بيده وهو لا يدري . فأوجس المتلمس في نفسه خيفة ، وارتاب بكتابه . ولقيه غلام من أهل الحيرة فقال له : أتقرأ يا غلام ؟ فقال : نعم . ففضّ خاتم كتابه ودفعه إلى الغلام فقرأه عليه ، فإذا فيه : إذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه واصلبه حيّا . وأقبل على طرفة فقال : تعلم واللّه لقد كتب فيك بمثل هذا ، فادفع كتابك إلى الغلام يقرأه . فقال : كلا ، ما كان يجسر على قومي بمثل هذا . وألقى المتلمس كتابه في نهر الحيرة « 4 » ؛ ومضى طرفة بكتابه إلى صاحب البحرين ، فأمر به المعلى بن حنش « 5 » العبدي فقتله « 6 » ، وهرب المتلمس فلحق ببلاد الشام وهجا عمرا ، وبلغ شعره عمرا فآلى إن وجده بالعراق ليقتلنّه ، فقال المتلمس من أبيات « 7 » : آليت حبّ العراق الدهر أطعمه * والحبّ يأكله في القرية السوس « 8 » فضرب المثل بصحيفة المتلمس .

--> ( 1 ) يعني إلى عامله بالبحرين ، كما في الشعر والشعراء . ( 2 ) في الشعر والشعراء : ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه . ( 3 ) في الشعر والشعراء : أحمق واللّه مني . ( 4 ) زيد في مختارات شعراء العرب : وقال : قذفت بها بالثني من جنب كافر * كذلك أقنو كل قطّ مضلل رضيت لها بالماء لما رأيتها * يجول بها التيار في كل جدول وأخذ نحو الشام . ( 5 ) في أصل مختصر ابن منظور : « حس » والمثبت عن الشعر والشعراء ص 89 ( في ترجمة طرفة بن العبد ) . ( 6 ) زيد في الشعر والشعراء أن : الذي تولى قتله بيده معاوية بن مرة الأيفلي . ( 7 ) الأبيات في مختارات شعراء العرب لابن الشجري ص 130 وما بعدها وقد ذكر 17 بيتا ، والبيت التالي رقمه 13 في الأبيات التي ذكرها . ( 8 ) الأليّة : اليمين ، والجمع ألايا . ويروى : آليت بالضم ، ويروى : يأكله بالنقرة ، وهي بلد .